المقريزي
24
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
لم يعن هذا إنّما عنى من قتله المسلمون . فلمّا قتل عثمان ، عرفت أنّ ما قال الرجل حقّ . فلمّا فرغ القبط من صنيعهم ، أمر عمرو بن العاص بطعام فصنع لهم ، وأمرهم أن يحضروا لذلك ، فصنع لهم الثّريد والعراق ، وأمر أصحابه بلباس الأكسية واشتمال الصّمّاء والقعود على الرّكب . فلمّا حضرت الرّوم ، وضعوا كراسي الدّيباج فجلسوا عليها ، وجلست العرب إلى جوانبهم ، فجعل الرجل من العرب يلتقم اللّقمة العظيمة من الثّريد ، وينهش من ذلك اللّحم ، فيتطاير على من إلى جنبه من الرّوم . فبشعت الرّوم بذلك وقالت : أين أولئك الذين كانوا أتونا قبل ؟ فقيل لهم أولئك أصحاب المشورة ، وهؤلاء أصحاب الحرب « 1 » . وقال الكنديّ : وذكر يزيد بن أبي حبيب أنّ عدد الجيش الذين كانوا مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمس مائة . وذكر عبد الرّحمن بن سعيد بن مقلاص أنّ الذين جرت سهامهم في الحصن من المسلمين اثنا عشر ألفا وثلاث مائة ، بعد من أصيب منهم في الحصار بالقتل والموت « 2 » . ويقال إنّ الذين قتلوا في هذا الحصار من المسلمين دفنوا في أصل الحصن . وذكر القضاعيّ أنّ مصر فتحت يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين ، وقيل فتحت سنة ستّ عشرة ، وهو قول الواقدي ، وقيل فتحت والإسكندرية سنة خمس وعشرين ، والأكثر على أنّها فتحت قبل عام الرّمادة ، وكانت الرّمادة في آخر سنة سبع عشرة وأوّل ثمان عشرة « 3 » . ذكر ما قيل في مصر هل فتحت بصلح أو عنوة وقد اختلف في فتح مصر فقال قوم : فتحت صلحا ، وقال آخرون : إنّما فتحت عنوة . فأمّا الذين قالوا : كان فتح مصر بصلح ، فإنّ حسين بن شفيّ قال : لمّا فتح عمرو بن العاص الإسكندرية بقي من الأسارى بها ، ممّن بلغ الخراج وأحصى يومئذ ، ستّ مائة ألف سوى النّساء والصّبيان ؛ فاختلف الناس على عمرو في قسمهم ، فكان أكثر المسلمين يريد قسمها . فقال عمرو : لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين ؛ فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها وأنّ المسلمين طلبوا قسمها ؛ فكتب إليه عمر - رضي اللّه عنه - : لا تقسمها ، وذرهم يكون خراجهم
--> ( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 60 ؛ ابن سعيد : المغرب 21 - 22 . ( 2 ) الكندي : ولاة مصر 32 . ( 3 ) انظر فيما تقدم 10 .